في يوم واحد فقط، أُغلِق أكثر من 110 فرع من فروع “بلبن” على مستوى الجمهورية، تاركين وراءهم 25 ألف موظف يواجهون المجهول، وعائلات تعتمد بشكل كامل على هذه الوظائف. ما حدث لم يكن مجرد أزمة عابرة.. بل سقوط مدوٍّ لعلامة تجارية كانت تُمثّل أحد أنجح قصص التوسع السريع في السوق المصري.
البداية: نجاح سريع.. واستراتيجية تسويق جريئة
“بلبن” لم تكن مجرد علامة مستقلة. بل كانت جزءًا من مجموعة براندات تابعة لرجل واحد، د. مؤمن عادل – طبيب بيطري تحول إلى رائد أعمال في مجال الأغذية والحلويات. تضم مجموعته أسماءً شهيرة مثل:
"كنافة وبسبوسة"، "بهيج"، "كرم الشام"، "وهمي"، و"عم شلتت" – وجميعها اعتمدت على نفس الأسلوب التسويقي الجريء والمستفز في أحيان كثيرة.
بداية النهاية: إعلان ساخر ضد “العبد”
في لحظة بدت فيها الثقة زائدة عن الحد، أطلقت “بلبن” حملة إعلانية تسخر من اسم تاريخي في السوق المصري: محلات العبد، التي يتجاوز عمرها الـ100 عام.
الحملة قسمت الشارع المصري: فئة رأت فيها ذكاءً تسويقيًا، وأخرى اعتبرتها إهانة غير مبررة لاسم عريق.
رد "العبد" كان سريعًا: دعوى قضائية أفضت إلى وقف الإعلان وإجبار “بلبن” على تقديم اعتذار رسمي.
التراجع يبدأ.. السمعة تتهاوى
ما بعد الإعلان، لم يكن كما قبله.
شكاوى من المستهلكين، حديث عن حالات تسمم غذائي، تقارير عن سوء معاملة الموظفين، ونبرة غرور لم تعد مقبولة في بيانات الشركة.
لكن الضربة القاصمة؟ جاءت من السعودية، حيث أغلقت الجهات الصحية فروع “بلبن” في الرياض بعد تسجيل 26 حالة تسمم مؤكدة!
التحقيقات في مصر: الصدمة
بدأت السلطات المصرية في التحرك، وتم فتح تحقيق رسمي وشامل شمل 47 فرعًا من فروع المجموعة.
النتائج كانت كارثية:
بكتيريا ممرضة في المنتجات
ألوان غذائية محظورة دوليًا
تخزين سيء يسبب تلف الأغذية
القرار: إغلاق فوري لكامل المجموعة
لم يتم إغلاق "بلبن" فقط، بل أُغلق معها كل البراندات المرتبطة بنفس الإدارة:
كرم الشام، كنافة وبسبوسة، وهمي، عم شلتت.
الشركة أصدرت بيانًا تناشد فيه رئيس الجمهورية للتدخل، بحجة أن عشرات الآلاف من الأسر مهددة. لكن الشارع لم يتعاطف بالشكل المنتظر.. والسبب؟
المشكلة الحقيقية: الإدارة نفسها
أسباب الانهيار لم تكن "الحملات الإلكترونية" أو "سوء الفهم".
بل إدارة مليئة بالغرور، غائبة عن احترام السوق، تسيء معاملة الموظفين، وتتوسّع بشكل فوضوي.
أمثلة كثيرة تدعم هذا:
تسجيل اسم "وزير الحلو" في السعودية فقط لمنع منافسين
شكاوى موظفين بعدم صرف رواتب رمضان
احتكار مؤثرين ومنعهم من الترويج لبراندات أخرى
الدرس القاسي في عالم البزنس
قصة “بلبن” يجب أن تُدرّس:
كيف يمكن للنجاح السريع، إذا لم يُدار بتواضع واحتراف واحترام للمنافسين والموظفين والجمهور، أن يتحوّل إلى نهاية مأساوية في لحظة.
الشهرة لا تكفي.. والسوق لا يرحم.
وفي النهاية، السوق يكتب تاريخه.. ويصنع أبطاله، لكنه لا يغفر للغرور.

